أحمد حلاوة.. نكهة فلسطينية بروح معاصرة في دبي

تبدو تجربة أحمد حلاوة مختلفة عن المسار التقليدي الذي يقود الطهاة إلى المطابخ الاحترافية؛ فقد جاء إلى عالم الطهي من خلفية في التسويق والإعلان، قبل أن تتحول موهبته في الطبخ وشغفه باستضافة الآخرين إلى مسار مهني كامل. وفي دبي، بنى حلاوة حضوره من خلال موائد صغيرة وحميمية تستند إلى المطبخ الفلسطيني والذاكرة الشخصية، ثم تطورت تجربته إلى واحدة من التجارب المعروفة في مشهد نوادي العشاء في المدينة. وفي 2026، لا يزال اسمه حاضرًا ضمن جيل من الطهاة العرب الذين يعيدون تقديم المطبخ الشرق أوسطي من خلال الهوية والحكاية والتجربة الجماعية.


من التسويق إلى المطبخ

لم يبدأ أحمد حلاوة حياته المهنية بوصفه شيفًا. فقد عمل لسنوات في مجال التسويق والإعلان في دبي، قبل أن يقرر أن يمنح الطبخ المساحة التي كان يأخذها تدريجيًا في حياته. ووفق ما رواه في مقابلات سابقة، بدأ الأمر بطهي الطعام للأصدقاء واستضافتهم في المنزل، ثم اتسعت الدائرة مع الوقت ليصبح غرباء أيضًا جزءًا من تلك التجربة.

وفي نهاية عام 2019، بدأ حلاوة تنظيم موائد العشاء الخاصة بصورة منتظمة، قبل أن تدفعه تجربة الجائحة إلى إعادة التفكير في مساره المهني. وبعد نحو عام ونصف، ترك وظيفته ليتفرغ للطهي، لتتحول الهواية التي كانت تتمحور حول عطلات نهاية الأسبوع إلى عمل كامل.


المطبخ الفلسطيني في قلب التجربة

ينحدر حلاوة من نابلس، وقد أصبحت المدينة جزءًا أساسيًا من اللغة التي يتحدث بها من خلال الطعام. فهو لا يقدم الأطباق الفلسطينية بوصفها مجرد قائمة مأكولات، وإنما يربطها بالذكريات والعائلة والمكان، وهو ما يمنح موائده طابعًا شخصيًا واضحًا.

وتظهر هذه الهوية في أطباق مثل المسخن والمقلوبة وأطباق المزة، إلى جانب الكنافة النابلسية التي ارتبطت بتجربته ارتباطًا خاصًا. وفي مقابلاته، تحدث عن الطعام باعتباره وسيلة للتعريف بفلسطين وإتاحة مساحة للضيوف للتعرف إلى ثقافتها من خلال المذاق والقصص التي ترافق الوجبة.


أكثر من عشاء على مائدة واحدة

اللافت في تجربة أحمد حلاوة أن الطعام لا يصل إلى الضيف منفصلًا عن أجواء المكان. فقد اشتهرت موائده الطويلة بطابع اجتماعي يجمع أشخاصًا قد لا يعرف بعضهم بعضًا، فيما تتداخل الأطباق والموسيقى والقصص لتصنع تجربة تتجاوز فكرة تناول العشاء.

وفي فبراير 2026، وصفته GQ Middle East بأنه يستضيف في دبي أكثر من 40 ضيفًا في بعض عطلات نهاية الأسبوع في حديقته، حيث تجتمع الأطباق الفلسطينية مع الأجواء الدافئة والموسيقى والجلوس حول موائد طويلة. ويقول حلاوة إن دوره لا يقتصر على إعداد الطعام، وإنما يشمل أيضًا جعل الضيوف يشعرون بالراحة وإدارة إيقاع الأمسية.


الكنافة النابلسية.. توقيع لا يغيب

من بين الأطباق التي ارتبط اسم حلاوة بها بصورة خاصة الكنافة النابلسية. وقد احتلت هذه الحلوى موقعًا ثابتًا في تجربته منذ سنوات، ليس فقط لأنها من أشهر ما يميز مدينة نابلس، وإنما لأنها تحمل بالنسبة إليه معنى شخصيًا مرتبطًا بمسقط الرأس والذاكرة العائلية.

وفي إحدى تجاربه السابقة، كان يحضر الكنافة أمام الضيوف مباشرة، مستخدمًا جبنة نابلسية، مع اهتمام بطريقة الطهي ودرجة الحرارة حتى تظل الجبنة طرية ولا تجف. كما اختار تقليل كمية القطر والسمن مقارنة بالنسخ التقليدية التي اعتاد عليها، مع الاستغناء عن ملونات الطعام.


وصفات تحمل ذاكرة العائلة

لا تنفصل طريقة حلاوة في الطهي عن نشأته داخل عائلة تهتم بالطعام. فقد تحدث عن تأثير والديه في علاقته بالمطبخ، وعن والدته التي كانت تطهو أطباق بلاد الشام، ووالده الذي كان يحب التجربة والمزج بين المكونات.

وبحسب ما ذكره في مقابلات سابقة، بدأ الطبخ في سن مبكرة، وكان يميل إلى اختبار المكونات بنفسه بدل الاعتماد الكامل على الوصفات المكتوبة. ومع انتقاله للدراسة خارج الأردن، استمر في إعداد الطعام لأصدقائه، قبل أن تصبح هذه العادة لاحقًا نقطة انطلاق لمسيرته الجديدة.


تجربة تتجاوز حدود دبي

لم تتوقف تجربة حلاوة عند موائد دبي. ففي يناير 2025، شارك في عشاء تعاوني مع الشيف أكمل أنور، في تجربة جمعت النكهات الفلسطينية مع تقنيات ومكونات مستوحاة من المطبخ الياباني والآسيوي، في انعكاس واضح لاهتمامه بالتجريب وعدم التعامل مع المطبخ الفلسطيني بوصفه قالبًا مغلقًا.

كما أشارت GQ Middle East إلى تجربة أقامها في نيويورك عام 2025 تحت اسم “The Palestine Supper Club”، وكانت فعالية طعام ذات طابع خيري لدعم غزة، في امتداد للجانب الثقافي والإنساني الذي أصبح حاضرًا في بعض مشاريعه.


أحمد حلاوة في المشهد العربي الجديد

في 2026، جاء اسم أحمد حلاوة ضمن قائمة GQ Middle East التي تناولت طهاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعيدون تشكيل الطريقة التي يُنظر بها إلى المطبخ العربي المعاصر. ووصفته المجلة بأنه من أكثر طهاة نوادي العشاء شهرة في دبي، مشيرة إلى أن تجربته تقوم على الطعام الفلسطيني الشخصي، والموائد الطويلة، والنار الحية، والموسيقى، وسرد الحكايات.

وتكشف هذه المكانة عن تحول مهم في مشهد الطهي العربي؛ فالحضور لم يعد مرتبطًا فقط بالمطاعم الكبيرة أو النجوم الذين يظهرون على شاشات التلفزيون، وإنما أصبح للطهاة الذين يبنون تجاربهم حول الثقافة والهوية والجمهور مساحة متزايدة في المشهد.


حين يصبح الطعام وسيلة للحكاية

في تجربة أحمد حلاوة، لا تكمن قيمة الطبق في مكوناته وحدها، وإنما في الذاكرة التي يحملها والطريقة التي يصل بها إلى الضيف. وهذا ما منح المطبخ الفلسطيني في موائده مساحة مختلفة؛ مساحة تلتقي فيها الأصالة مع التجريب، والطعام مع الضيافة، والوصفة مع القصة.

وربما هنا تحديدًا تكمن خصوصية تجربته: فهو لا يحاول أن يجعل المطبخ الفلسطيني شيئًا آخر، وإنما يقدمه كما يعرفه ويعيشه، ثم يفتح حوله مائدة تكفي لأن يتسع المكان لحكاية جديدة في كل مرة.

شارك على: