في عصرٍ مهووسٍ بالاستعراض، يُصمّم مصطفى خماش شيئاً أكثر هدوءاً وأكثر ديمومة. بنى هذا المعماري صاحب الرؤية، ومؤسّس Kart Group، مجموعة أعمال لا تُعرف بالإسراف، بل بضبط النفس: منشآت ضخمة وبيئات مدنية تُحوّل القيم المجتمعية، والهوية الثقافية، والطموح المستقبلي إلى أشكال ثلاثية الأبعاد وراقية. لغته النحتية، الدقيقة هيكلياً، والذكية مادياً، والمليئة بالمشاعر، تجعل العمارة لا مجرّد زخرفة فحسب، بل أيديولوجية مُجسّدة. عبر مشاريع تتراوح بين منحوتات عامة متغيّرة الألوان ترمز إلى الوحدة، ونصب تذكارية زجاجية متعدّدة الطبقات تحمل الشاعرية في رموزها، يستكشف خماش كيف يمكن للمساحات أن تحمل في طيّاتها الذاكرة، والسلطة، والانتماء في آنٍ واحد. بدلاً من جذب الانتباه، تُشكّل بيئاته الأجواء، موجّهةً الحركة، والصمت، والضوء بتحكّمٍ يكاد يكون موسيقياً. بالنسبة لخماش، لا يكمن مستقبل العمارة الخليجية في أفقٍ أكثر صخباً، بل في معنى أعمق: “هندسة صامتة” متجذّرة في التجربة الإنسانية، حيث يصبح التراث منهجيةً، وتصبح الحداثة وعاءً للاستمرارية.
تصمّم بيئاتٍ يكون تأثيرها محسوساً أكثر منه مرئياً. ما الذي جذبك في البداية إلى لغة الهندسة المعمارية الهادئة بدلاً من أشكال التعبير الصاخبة؟
لطالما شعرتُ أنّه بينما قد يجذب المشهد الأنظار، فإنّ الجوّ وحده هو ما يحمل الروح. انجذبتُ إلى لغة العمارة الهادئة لأنّني أدركتُ أنّ أشكال التعبير الصاخبة غالباً ما تكون مجرّد استعراض؛ تتنافس على نظرة خاطفة لكنّها غالباً ما تفشل في ملامسة الروح. بالنسبة لي، يجد المكان سلطته الحقيقية لا في الصخب، بل في عمق صمته. لقد أسرتُ بكيفية شعور المرء بالمكان قبل حتى أن يلاحظ جدرانه. من خلال إعطاء الأولوية للتحكّم في ضوء النهار وتسلسل الظلال، تتحوّل العمارة من كونها جسماً ثابتاً إلى بيئة نابضة بالحياة. أرى نفسي كملحّن، أستخدم الفراغ كفاصل مقصود بين النغمات. هذه الفواصل تسمح للشخص الموجود بداخلها بالتنفّس والتأمّل.

البندقية، والحداثة الأوروبية، والتطوّر السريع للخليج، كلّها عوامل ساهمت في تشكيل ذوقك ونظرتك. عندما تفكّر في حسّك التصميمي اليوم، إلى أين ينتمي حقّاً؟
لا يرتبط ذوقي وحسّي في التصميم بموقع جغرافي محدّد على خريطة، بل ينبع من التوازن الدقيق بين الركائز الثلاث التي شكّلت نظرتي. إنّه ينتمي حقاً إلى توليفة معاصرة، يشغل حيّزاً بينياً نبني فيه بيئات تجمع بين الجرأة التكنولوجية والعمق العاطفي. من البندقية، أستمدّ أساساً من الأجواء والنسيج، ونظرة ثاقبة لانعكاس الضوء على الماء، والوقار الهادئ للمواد التي تزداد جمالاً مع مرور الزمن. أمّا الحداثة الأوروبية، فتوفّر الهيكل الأساسي، وانضباطاً في الدقّة والوضوح الهندسي حيث يجب أن يتبع الشكل الوظيفة. يتجلّى هذا في الصدق الهيكلي، باستخدام الفولاذ، والزجاج، والخرسانة لوظائفها الأساسية مع معرفتنا الدقيقة باللحظة التي يقتضي فيها التوقّف. يمثّل الخليج نجمي القطبي، رمزاً للتفاؤل الجذري والولوج إلى آفاق غير مسبوقة، مما يمنحني الطموح لدمج التراث العريق مع التكنولوجيا الفائقة الحداثة. اليوم، يكمن شغفي في هذا الوسط اللامحدود. أسعى إلى تحقيق الخلود من خلال الوسائل الحديثة، فأخلق مساحات تبدو راسخة كقصرٍ حجري، وفي الوقت نفسه طموحة كواحةٍ صحراوية.
غالباً ما تعمل في مساحات مرتبطة بالقيادة والحكم. ما هي أدقّ لفتة معمارية تُشعر المرء بالسلطة دون وجود أيّ رمزٍ للقوّة؟
في عملي ضمن مساحات الحكم، تتغلغل السلطة الحقيقية في بنية المكان. عندما أزيل الأعلام والشعارات، تبرز أدقّ لفتة معمارية وهي إدارة المداخل وخطوط أو زوايا الرؤية. يبدأ الأمر من لحظة الوصول. فمن خلال تصميم مدخل ضيّق مدروس يُفضي إلى قاعة واسعة مضاءة، يُؤثّر التصميم المعماري على الجهاز العصبي لدى الزائر ويُجبره على التوقّف وإعادة ترتيب أفكاره.
كما أستخدم أيضاً نقطة التلاشي. فعندما تتقارب الخطوط الهيكلية، كعوارض السقف أو أنماط الأرضيات، نحو نقطة محدّدة، فإنّها تُولّد جاذبية نفسية. هذا يجذب النظر بشكلٍ طبيعي نحو القائد دون تسليط الضوء عليه. ويتعزّز هذا بالصمت المادي. فاستخدام الحجر الكثيف وامتصاص الصوت المخفي لخلق عزل صوتي “صامت” يُزيل الصدى. في مثل هذا المكان، لكلّ كلمة منطوقة وزنها الخاص. في النهاية، تبقى المسافة هي أعمق لفتة. توحي الغرفة الواسعة الخالية من الفوضى بأنّ شاغلها لا يحتاج إلى أي أدوات مادية للسيطرة على المكان. تخلق هذه المساحة الفارغة سلطة ملموسة، وتأثيراً متجذّراً في صميم المبنى.
إنّ ترجمة الهوية الوطنية إلى مواد وأحجام هي عملية دقيقة. كيف يمكن تجنّب الوقوع في فخّ الحنين إلى الماضي من جهة، والفراغ من جهة أخرى؟
أنظر إلى الهوية الوطنية لا كزيٍّ زخرفي، بل كتسلسلٍ جيني يُعبَّر عنه من خلال هندسة المبنى. ولتجنّب الوقوع في فخّ الحنين إلى الماضي، أستخلص منطق الماضي بدلاً من صورته الحرفية. فبدلاً من نسخ برج الرياح التقليدي، أدرس كيفية تحكّمه بالهواء، وأترجم هذه الوظيفة إلى واجهة عصرية عالية الأداء. هذا يُجرِّد العمارة المحلية، مُكرِّماً الحكمة الموروثة دون التقيّد بقواعدها الجمالية. ولمنع فراغ الحداثة العالمية، أعتمد على ثقل المادة. أستخدم الحجر الجيري المحلي، لكنّني أتعامل معه بدقّةٍ معاصرة، فأقطعه إلى ألواح ضخمة متجانسة. يوفّر هذا الثقل اتصالاً ملموساً بالأرض، ممّا يضمن ألا يبدو التصميم أجوفاً أو تجارياً. وأخيراً، أستخدم هندسة الأبعاد كلغةٍ صامتة للهوية. من خلال تطبيق الأشكال الهندسية والنسب الكسورية التقليدية على الأحجام الحديثة، يصبح المبنى مألوفاً لدى السكّان المحليين حتى بدون الزخارف التقليدية. هذا هو “النهج الثالث” ـ دمج وظيفة الماضي مع مواد الأرض ونسيجها لخلق هندسة حديثة تنتمي حقاً إلى المكان.

أي مشروع شكّل تحدّياً عاطفياً لك أكثر منه تحدّياً تقنياً، وماذا كشف لك عن جوانب أخرى من شخصيتك تتجاوز الهندسة المعمارية؟
واجهتُ ذات مرّة تصميم نصب تذكاري في منطقة ما بعد النزاع. ورغم سهولة الجوانب الفيزيائية واللوجستية من الناحية التقنية، إلا أنّ العبء العاطفي كان بمثابة اختبار عميق. لم يكن التحدّي في كيفية بناء سقف أو اختيار حجر معيّن، بل في السؤال المُرهِق: كيف نبني فوق جرح؟ شعرتُ أنّ كلّ خطٍّ أرسمه بمثابة انتهاك؛ كان عليّ أن أتجاوز كوني مصمّماً لأصبح شاهداً.
أما مشروع “دار ميرا” في الرباط، فقد جرّدني من غرور المهندس المعماري وكشف لي عن حاجة عميقة للصمت. اكتشفتُ راحةً في الفراغ، مدركاً أنّ أقوى الأدوات غالباً ما تكون ضبط النفس، مما يخلق مساحةً يملؤها الآخرون بأفكارهم. علّمني هذا المشروع أنّ دوري الحقيقي هو الرعاية لا التأليف. أجبرني على التفكير عبر العصور، باحثاً عن ديمومة عاطفية تتجاوز الصيحات الرائجة. هذا حوّل تركيزي من توليف الأساليب إلى البحث عن صدى. لم أعد أسأل إن كان التصميم مبتكراً، بل أسأل إن كان يعكس الواقع. لقد أدركت أنّ العمارة مرآة للمجتمع.
عندما تعود إلى مشروع بعد سنوات، ما الذي يدلّ على نجاحه: مظهره، أم كيف صمد أمام الزمن، أم حركة الناس داخله؟
عندما أعود إلى مشروع بعد أن تهدأ غبار البناء، لا أبحث عن صورة؛ فالجماليات معيار أساسي. أبحث أولاً عن سلامة الهيكلة، وأتفحّص ما إذا كانت الفكرة المعمارية الأساسية وتفاصيلها الدقيقة قد صمدت أمام واقع الصيانة. إن كان المنطق البصري سليماً، فإنّ المشروع يتمتّع بالوضوح. بعد ذلك، أستمع إلى المواد. ففي مناخنا، الشمس ناقد قاسٍ. يكمن النجاح في إيجاد “طبقة الباتينا فوق التآكل” ـ رؤية أرضية من الحجر الجيري مصقولة بملايين الخطوات أو خشب اكتسب لوناً فضياً بدلاً من أن يتعفّن. تُظهر هذه المرونة التقنية أنّ المبنى يتقبّل مكانه في الزمن بسلاسة. ومع ذلك، فإنّ الدليل القاطع هو كيفية حركة الناس داخله. ألاحظ “انسياب الصمت”، حيث يشغل الأفراد المكان بشعور فطري بالملكية. عندما يتردّدون في عتبة انتقالية أو يستخدمون حافة للجلوس لم تكن مخصّصة لذلك، فإنّ النسب المدروسة تكون ناجحة. ينجح المشروع عندما يصبح غير مرئي ـ خلفية صامتة صحيحة بشكلٍ أساسي لدرجة أنّها تُعتبر أمراً مفروغاً منه.
تقع أعمالك الفنّية العامة بين النحت والذاكرة المدنية. هل تشعر أنّ منطقة الخليج تدخل حقبةً تتحوّل فيها المعالم إلى قصصٍ لا مجرّد بيانات؟
أعتقد أنّنا نشهد تحوّلاً جذرياً عن عصر “البيان” العمودي ـ ذلك الشكل الشاهق المصمّم خصّيصاً للعرض عبر الأقمار الصناعية. نحن ننتقل إلى عصر “القصّة”، حيث لم يعد النصب التذكاري مجرّد جسمٍ ثابت، بل أصبح وعاءً للتجربة المُعاشة والذاكرة الجماعية. يتطلّب البيان لحظةً عابرةً من الرهبة، بينما تدعو القصّة إلى شعورٍ دائمٍ بالانتماء. يتجلّى هذا التحوّل في النزول إلى مستوى النظر. نحن نصمّم معالم للمشاة تدعو الجسد البشري إلى شغل حيّزها الهيكلي والتفاعل مع مواد تتفاعل مع نظامنا البيئي الفريد. باستخدام أسطحٍ تتأثّر بالعوامل الجوية، نُقرّ بأنّ بيئتنا الطبيعية هي بيئةٌ حيةٌ وليست صحراءً جامدة.
لقد استثمرتَ في رعاية المصمّمين الناشئين من خلال مبادرتك للمنح الدراسية. ما هي الصفات التي تبحث عنها في العقول الإبداعية الشابة اليوم والتي لا يمكن اكتسابها في قاعات الدراسة؟
عندما أراجع ملفات أعمال المصمّمين الشباب، نادراً ما أبحث عن الكفاءة التقنية؛ فالبرامج مجرّد أداة يمكن إتقانها في أي فصل دراسي. بدلاً من ذلك، أستمع إلى إشارات خفية تدلّ على عقلٍ قادر على إعادة تعريف مجالنا. أوّلها الملاحظة الدقيقة، والفضول الفكري الذي يدفع الطالب إلى البحث في كيفية تأثير هواء البحر المالح على أكسدة النحاس، أو كيف يؤثّر تسلسل هرمي معيّن للظلال على مزاج أحد المارّة. هذا النوع من الملاحظة هو أساس التفكير الأصيل. كما أبحث عن المرونة الثقافية. يجب أن يكون المصمّم مترجماً، يمتلك الذكاء العاطفي اللازم للربط بين عقلية رقمية في المقام الأول واحترام عميق للحرف اليدوية التقليدية. عليه أن يستمع إلى ما يتطلّبه الموقع بدلاً من فرض رؤيته الشخصية عليه. أخيراً، أبحث عن “القدرة على تقبّل الفشل”. الهندسة المعمارية حرفة بطيئة، وغالباً ما تكون محبطة، حيث تضيع العديد من الأفكار بسبب الميزانيات أو قوانين الفيزياء؛ أحتاج أن أرى العزيمة في الرسومات الفاشلة. في عصر الإنتاج السريع، يصبح “السبب” أهمّ من “النتيجة”. أبحث عن أولئك الذين يدركون أنّنا لا نبني مجرّد هياكل، بل نبني إطاراً للذاكرة البشرية.

إنّ دعم الجيل القادم يعني أيضاً رسم مسار الصناعة. ما نوع ثقافة التصميم التي ترغب برؤيتها تُشكّل ملامح دولة الإمارات العربية المتحدة في العقود القادمة؟
أتصوّر ثقافة تصميم إماراتية تجاوزت عصر الاستعراض، واستقرّت على نضجٍ قائم على سرد القصص. يجب أن نتبنّى “لغة معمارية محلية جديدة” حيث تُصبح الهوية منهجية حيّة لا مجرّد قطعة أثرية. ينبغي أن تتميّز هذه الثقافة بالابتكار الجذري، وأن نتعامل مع شمسنا وبحرنا الساطعين كمواد خام أساسية لا كعوائق يجب التخلّص منها بالتكييف.
أطمح إلى رؤية صناعة تُعطي الأولوية لـ”العمارة الهادئة” ـ بيئات مصمّمة لراحة الجهاز العصبي البشري وتوفير الراحة الحرارية من خلال الأحجام المدروسة والإضاءة الطبيعية. يجب أن ننتقل من “أنظر إليّ” إلى “أشعر بهذا”، ساعين إلى تواصل روحي مع بيئتنا من خلال البساطة والوضوح. يتطلّب هذا المستقبل عولمة محلية بامتياز، حيث نستخدم التقنيات المتقدّمة لحلّ المشكلات الإقليمية، ممّا يسمح للواجهة الحديثة بالتنفّس كما تتنفّس أبراج الرياح التقليدية.
بعد عقود من الآن، حين يُكتب تاريخ العمارة الخليجية، ما الأثر الذي تأمل أن يتركه عملك: جمالي، ثقافي، أم إنساني؟
عندما تهدأ غبار التوسّع، آمل أن يُعثر على بصمتي لا في بصمة بصرية، بل في فلسفة انتماء. أريد أن يرى التاريخ عملي كجسر، “لغة معمارية للمستقبل” تُثبت أنّ الهندسة الحديثة والهوية الإقليمية ليستا نقيضتين. أطمح إلى تجاوز حدود الصندوق الزجاجي لخلق مبانٍ حيّة تتنفّس وتُظلّل بجمالٍ طبيعي كبستان النخيل. أطمح إلى ترك “ذاكرة ملموسة”. من خلال معالجة الحجر الجيري المحلي وألياف النخيل بدقّةٍ معاصرة، أريد أن يلمس الناس جداراً ويشعروا بالارتباط بأجدادهم وهم يقفون في مكانٍ يُشبه المستقبل. يتعلّق الأمر بكرامة الذاكرة؛ فالثقافة ليست قطعة أثرية، بل منهجية للحياة. في نهاية المطاف، أسعى إلى بصمة إنسانية، بصمة تُجسّد الملاذ. أهتمّ بالدرجة الأولى بكيفية تأثير تداخل الضوء والنسب المتناسقة على الحالة النفسية للإنسان، ممّا يمنحه شعوراً بالاستقرار والسكينة. إذا وفّر عملي بنيةً معماريةً متواصلة، تُمكّننا من بلوغ آفاق جديدة دون التخلّي عن الأرض، فقد حقّقتُ النجاح. أريد لهذه البيئات أن تُصبح الخلفية الصامتة لمجتمعٍ واثقٍ من نفسه.



