جان سركيسيان فنّانٌ يحمل صوته أكثر من مجرّد اللحن. وُلد في بيروت، وتشكّلت شخصيته بتراثه الأرمني، ويقيم الآن في بلجيكا، ويتنقّل صوته بسلاسة بين الثقافات. عندما استدارت مقاعد المدرّبين الأربعة في برنامج The Voice، انتشرت اللحظة بسرعة عبر الإنترنت، لكن بالنسبة لسركيسيان، لم يكن الأمر متعلّقاً بالمقطع “الفايرال” بقدر ما كان متعلّقاً بالتواصل. هنا، يتحدّث عن نشأته بين ثقافتين، وعن الأداء، والأغاني التي لا تزال تُثير مشاعره.
رحلتك تمتدّ من بيروت إلى بلجيكا، حاملةً معها جذورك الأرمنية. عندما تصعد إلى المسرح، أي جزء من هويتك تشعر به أكثر؟
هويتي مُكوّنة من ثلاثة دروس رئيسية: علّمتني بيروت الصمود، ومنحتني أرمينيا إيماني، وأثبتت بلجيكا وجودي. أكثر من أي شيء آخر، أشعر أنّني إنسان يحبّ الموسيقى، مساحة تجتمع فيها كلّ تلك الهويات.
أداؤك في برنامج The Voice جعل جميع الكراسي الأربعة تدور ـ تلك هي لحظة الحلم، اللحظة المثالية. ما أول فكرة خطرت ببالك عندما دار الكرسي الأخير؟
كان الأمر أشبه بالحلم. قبل تجربة الأداء، كنتُ أُفكّر ملياً في من سأختار. لكن في تلك اللحظة، تجمّد كلّ شيء. عندما دار الكرسي الأخير، هدأ ذهني ولم أشعر إلا بالامتنان.
يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تُحوّل أداءً إلى حدثٍ عالمي بين ليلةٍ وضحاها. ما مدى شعورك بالدهشة وأنت تشاهد تجربة أدائك تنتشر عبر الإنترنت؟
أظهر لي انتشار أدائي على وسائل التواصل الاجتماعي مدى قوّة تلك اللحظة. عندما ينتشر شيءٌ ما انتشاراً واسعاً، فهذا يعني أنّ الناس شعروا به. وبالنسبة للفنّان، هذا هو كلّ شيء. أنا ممتنٌ للغاية لكلّ من شاهد، وشارك، واستمع. تلك اللحظة ملكٌ لكم كما هي ملكٌ لي.
اخترتَ أغنية Desert Rose، وهي أغنية تحمل في طيّاتها روح الشرق الأوسط. هل كان ذلك اختياراً استراتيجياً، أم أنّها ببساطة أغنية شعرتَ معها وكأنّك في وطنك؟
أسأل نفسي دائماً: ما هو الوطن؟ بالنسبة لي، هو شعور أكثر منه مكان. إنّها تلك اللحظة التي تُثير فيها أغنية ما فيّ قشعريرة، وهذا ما فعلته بي أغنية Desert Rose تحديداً. إنّها تمزج بين جذور موسيقية مختلفة تعكس شخصيتي. إنّها مدروسة ومقصودة، ومع ذلك أشعر معها وكأنّني في بيتي لأنّها تُحرّك مشاعري.
هناك شيءٌ مميّز في الفنّانين القادمين من الدياسبورا، فهم يحملون معهم دائماً أكثر من ثقافة. هل تعتقد أنّ هذه الهوية المزدوجة تؤثّر على أدائك؟
إنّها صعبة الإنصهار وتستغرق وقتاً. لكن تلك اللحظات الصعبة تُشكّل شخصياتنا. أنا فخور بحملي لأكثر من ثقافة، وأعتبر ذلك نعمة؛ فقد ساهم ذلك بلا شكّ في تشكيل أسلوب أدائي. سأظلّ دائماً أحتضن هذا المزيج الثقافي؛ فهو يجعلني أشعر بإنسانيتي العميقة. وفي النهاية، الموسيقى تعبير عن هذه الإنسانية المشتركة.
هل تذكر أول مرّة تفاعل فيها أحدٌ مع غنائكَ بطريقة جعلتكَ تفكّر: يبدو أنّ هذا كان مميّزاً؟
أنا محظوظ بوجود عائلة داعمة؛ كنت أغني باستمرار في المنزل وكانوا يصفّقون لي دائماً. هذا التشجيع منحني الدافع للاستمرار في التدريب والتطوّر فيما أحبّ. شعرت حقّاً أنّه رسالتي في الحياة.
لنتحدّث عن حضورك على المسرح. ما الذي يحوّل جان الإنسان إلى جان الفنّان بمجرّد أن تبدأ الموسيقى؟
عندما أصعد إلى المسرح، أفكّر في كلّ هذه العناصر. هدفي هو أن أقدّم للجمهور شيئاً يستمتعون به ويتفاعلون معه. أمّا بالنسبة لذوقي الشخصي، نعم، أنا أحبّ ما أفعله حقاً. وهذا هو السبب الذي يدفعني للقيام به.
الموسيقى الأرمنية، والألحان العربية، وموسيقى البوب الغربية ـ قد تتداخل تأثيراتك بسهولة مع هذه الأنواع الثلاثة. ما الذي شكّل أسلوبك الموسيقي بشكلٍ أساسي؟
نشأتي في بيئةٍ أرمنية، واستماعي للعديد من الأغاني التراثية جعلني أعشق ما يسمّى غالباً “الموسيقى الشرقية”. صحيح أنّ بعض هذه الألحان تُشبه الموسيقى العربية، لكنها أيضاً وثيقة الصلة بالتقاليد الموسيقية التركية والثقافة الأرمنية. قد يكون التاريخ بين الثقافات معقّداً، لكنّني شخصيّاً أُفضّل الصداقة على الصراع. بالنسبة لي، الموسيقى لغة حبّ أخرى. لذا، لو طُلب مني وصف أسلوبي الموسيقي في جملةٍ واحدة، لقلت إنّه ملتقى ثقافات، مكان تجتمع فيه تواريخ ومشاعر مختلفة من خلال الموسيقى.
سؤال ELLE Man الأهمّ: بعيداً عن النجاح، أي نوع من الفنّانين تطمح أن تكون بعد خمس سنوات؟
أريد أن تجوب موسيقاي العالم، وأن أُبدع أغاني تُشعِرني بالاختلاف ـ وكأنّها من عالمٍ آخر. أريد أن أُعرف بأغانيّ العاطفية المؤثّرة، وشغفي، وصدقي. مهما كانت وجهة رحلتي، لن أنسى أبداً جذوري والصعوبات التي شكّلت شخصيتي. إنّ التمسّك بذاتي وأصولي كان وسيظلّ أعظم نقاط قوّتي.
أسئلة سريعة مع جان
أغنية تتمنّى لو كنتَ أنتَ من كتبها… سأختار Desert Rose ـ إنّها تحفة فنّية في نظري.
الفنّانة التي تتمنّى مشاركتها المسرح… فوزية.
أغنية تعيدكَ فوراً إلى بيروت… فيروز ـ أي أغنية لها تُشعرني وكأنّني في بيروت.
طقوس ما قبل العرض: صمت، موسيقى، أم فوضى خلف الكواليس… صمت. أحبّ أن أستشعر اللحظة قبل الصعود إلى المسرح.
الشيء الوحيد الذي تحتاجه دائماً قبل الصعود على المسرح… لحظة هادئة مع الله وصلاة قصيرة قبل أن يبدأ كلّ شيء.



