شتاء شتلاند وهوية ملحمة كرنفال الفايكنغ

في أقصى شمال اسكتلندا، حيث يشتد البرد ويطول الليل، لا تواجه شتلاند الشتاء بالصمت، بل تشعله احتفالًا. هناك يولد كرنفال الفايكنغ كأحد أكثر المهرجانات التراثية تفرّدًا في أوروبا، حدث يحوّل المدينة الصغيرة إلى مسرح تاريخي مفتوح، ويجعل المشاعل والسفن الخشبية والطقوس النوردية أدوات حيّة لاستعادة الذاكرة. ليس الأمر عرضًا سياحيًا عابرًا، بل تجربة ثقافية كاملة تدمج المجتمع بالماضي وتحوّل النار إلى لغة انتماء.


احتفال يُصنع بأيدي أهله

ما يمنح هذا الكرنفال ثقله الحقيقي أن التحضيرات لا تبدأ قبل أيام، بل قبل عام كامل. السكان أنفسهم يتولّون تصميم الأزياء وصناعة الدروع وبناء السفينة الخشبية قطعةً قطعة. هذا الجهد الطويل يغيّر معنى الحدث؛ فهو ليس عرضًا يُستهلك، بل تقليد يُصان. لذلك تشعر منذ اللحظة الأولى أن ما تراه ليس مسرحية مُتقنة، بل طقسًا أصيلًا يولد من الداخل، من رغبة جماعية في حماية هوية الجزيرة.


موكب المشاعل: النار كرمز وليس كزينة

عندما تُضاء مئات المشاعل مع حلول الظلام، لا تبدو النار عنصرًا بصريًا فقط، بل رمزًا دلاليًا واضحًا. في ثقافة الشمال، كانت النار دائمًا وسيلة للبقاء، للدفء، وللاحتشاد. في الموكب الليلي تتحوّل إلى استعارة للحياة نفسها؛ نهر من الضوء يمشي ببطء في الأزقة الحجرية، يختصر قرونًا من التاريخ في مشهد واحد. وهنا تكمن قوة الكرنفال: بساطة العناصر مقابل عمق المعنى.


السفينة المحترقة: لحظة التطهير الجماعي

ذروة الليلة لا تأتي بالصخب، بل بالرهبة. تُدفع السفينة الخشبية إلى الساحة، وكأنها خرجت من ملحمة قديمة، ثم تتلقّى المشاعل تباعًا حتى تشتعل بالكامل. الاحتراق ليس تدميرًا، بل طقس وداع وتجدد؛ إحراق للماضي كي يُفسح المجال لعام جديد. يقف الجميع في صمت شبه تأملي، وكأن المدينة بأكملها تشارك في لحظة تطهير رمزية. قليل من المهرجانات يمنح هذا الإحساس الجمعي العميق.



أكثر من مهرجان… تجربة انتماء

ما يميّز هذا الكرنفال أنه لا يعتمد على الزخرفة أو الاستهلاك السياحي، بل على روح المجتمع. الجميع يشارك، الجميع يساهم، والجميع يشعر بأنه جزء من القصة. لذلك يخرج الزائر بإحساس نادر: لم يزر فعالية فحسب، بل دخل ذاكرة مكان وعاشها. وربما لهذا السبب تبقى شتلاند في الذاكرة طويلًا، كمدينة تعرف كيف تحوّل البرد إلى دفء، والظلام إلى احتفال.

في الختام: ذاكرة تبقى بعد انطفاء اللهب بعد انطفاء النار، لا ينتهي الحدث، بل يبدأ أثره. يخرج الزائر بشعور أنه عاش فصلًا من تاريخ حيّ لا مجرد فعالية شتوية. شتلاند هنا لا تعرض ثقافتها، بل تعيشها أمامك. ولهذا السبب تحديدًا، يظل الكرنفال في الذاكرة طويلًا، كليلة يتراجع فيها الزمن ليمنح الحاضر معنى أوضح

شارك على:
المجالس الرمضانية بوصفها فضاءً للحوار والثقافة المحلية

ملتقيات رمضان التي تصوغ هوية المجتمع.

متابعة القراءة
إصدارات خاصة: سحر “مراحل القمر” في ساعات رمضان الفاخرة

حين يضبط الوقت إيقاعه على حركة السماء.

متابعة القراءة
إليك أفضل ٤ كريمات مقاومة للشيخوخة

لم تعد العناية بالبشرة خطوة إضافية في روتين الرجل العصري،…

متابعة القراءة