يستلهم مشاري النصار من مناخ المنطقة، وثقافتها وهويتها المتطوّرة، وهو جزء من جيلٍ جديد يُعيد تعريف التصميم في الخليج. في عمله، ينظر إلى الداخل بدلاً من الخارج، مُعيداً تفسير التقاليد من منظورٍ معاصر لخلق مساحات تجمع بين الأصالة والحداثة.
أنت تتنقل بين الهندسة المعمارية والتصميم الداخلي. من أين يبدأ أي مشروع بالنسبة لك، من الهيكل، أم من الأجواء، أم من القصّة التي تريد أن يرويها المكان؟
يبدأ الأمر دائماً بالقصّة. قبل التفكير في الهيكل أو المواد، أحاول فهم ما يحتاجه المكان، والشخصيّة التي تميّزه، والروتين اليومي، ووتيرة الحياة. يصبح الهيكل والأجواء أدوات للتعبير عن ذلك السرد. وعندما تتبلوَر القصّة، يصبح كلّ قرار لاحق مدروساً وواقعياً، ولهذا نحرص على التعرّف على عملائنا جيداً في مرحلة تحديد متطلّباتهم، لضمان جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات.
التصميم الجيد غالباً ما يكون غير مرئي. ما هي التفاصيل الوحيدة في مكانٍ ما التي لا يلاحظها الناس بوعي ولكنّها تغيّر تماماً شعورهم تجاهه؟
الانتقاليات هي الأهمّ بلا شكّ. طريقة انتقالك من مكانٍ لآخر، وتغيّر الإضاءة، وارتفاع السقف، أو نوع المواد، هي ما يُحدّد التجربة بهدوء. نادراً ما يلاحظ الناس هذه اللحظات، لكنّهم يشعرون بها. هنا يكتسب المكان إيقاعه وانسيابيته. لهذا السبب يُعدّ التصميم المكاني بالغ الأهمية بالنسبة لي.

لو دخل أحدهم إلى مكانٍ من تصميمك وفهم فلسفتك في غضون ٣٠ ثانية، فماذا سيكون شعوره؟
شعور بالسكينة والصفاء. المكان يسوده الهدوء، لا شيء يتنافس على جذب الانتباه، ومع ذلك لا شيء يبدو ناقصاً. ليس التصميم بسيطاً لمجرّد البساطة، بل مُختزل إلى ما هو فعلاً جوهري. تشعر بالراحة، وفي الوقت نفسه تُدرك أنّ كل شيء قد دُرِسَ بعناية، مما يجعلك تشعر بأنّك مُقَدَّر.
تبدو مشاريعك عصرية وخالدة في آنٍ واحد. كيف تُوازن بين تصميم ما يُناسب الحاضر وضمان استدامة المكان مع مرور الزمن؟
بالتركيز على ما لا يتغيّر. التناسب، والحجم، والإضاءة، وجودة المواد، هذه كلّها ثوابت. أميل إلى تجنّب أي شيء يبدو مرتبطاً بلحظةٍ معيّنة، وأركّز بدلاً من ذلك على عناصر تحافظ على قيمتها مع مرور الوقت. هذا ما يجعل المكان يبدو مناسباً اليوم، وفي الوقت نفسه يحافظ على رونقه مع مرور الزمن. كما يُسمح للمكان بأن يشيخ، من خلال إضافة وتنسيق قطع فنّية ومنسوجات تضفي عليه طابعاً شخصياً ومُرَحِّباً.
ينبغي أن يمتلك كلّ رجل غرفة مصمّمة بإتقان في منزله. أي غرفة لا غنى عنها؟
إنّها دائماً غرفة المعيشة. فيها تتجلّى الحياة، سواء في العزلة أو بصحبة الآخرين. وينبغي أن تكون قادرة على استيعاب كلا الأمرين على حدّ سواء. عندما تُصمَّم بشكلٍ مناسب، تصبح المركز العاطفي للمنزل. فيها تجلس لتناول فنجان من الشاي، وتشاهد غروب الشمس، وتشعل الشموع، وتستقبل أحبّاءك. تتغيّر غرف المعيشة لتتماشى مع مراحل حياتك، وتتغيّر بتغيّر الأشخاص الذين يسكنون المنزل. ينبغي أن تكون قادرة على استيعاب كلّ هذه اللحظات، والمشاعر، والأحداث الحياتية.

لكلّ مصمّم هوسه الخاص، سواءً كانت المواد، أو الإضاءة، أو الأحجام. ما هو العنصر الذي تُركّز عليه شخصياً أكثر من غيره؟
أعتقد أنّ الإضاءة تُضفي على المكان رونقاً خاصاً أو تُفسده. ليس المهم كميتها فحسب، بل كيفية تفاعلها، وحركتها، وتأثيرها الناعم على الأسطح، وتغيّرها على مدار اليوم. فهي قادرة على تغيير المكان دون إضافة أي شيء إليه. نلاحظ اليوم أنّ الناس لا يستخدمون الإضاءة الموجّهة للأسفل بكثرة كما في السابق، بل يعتمدون بشكلٍ أساسي على المصابيح والإضاءة غير المباشرة. تتيح لك الإضاءة الموجّهة ضبط أنماط مختلفة وتغيير مساحتك وفقاً لذلك.
لو أتيحت لك فرصة إعادة تصميم مبنى أو مكان مميّز في العالم لمجرّد التسلية، فماذا ستختار؟
أنا أقلّ اهتماماً بالمباني المميّزة وأكثر انجذاباً للمباني المحلية. سأختار منزلاً تقليدياً بفناء في المنطقة، ليس لتغييره، بل لإعادة تفسيره بما يتناسب مع نمط حياتنا اليوم، مع الحفاظ على خصوصيته، وملاءمته للمناخ، وتناسقه المكاني. أو مبنى من خمسينيات القرن الماضي من دول مجلس التعاون الخليجي، إحياؤه، إعادة توظيفه، منحه حياة جديدة، واستعادة رونق تصميمه الداخلي. أحد مبانيّ المفضّلة هو مبنى الصندوق العربي في مدينة الكويت، سيكون مشروعاً ممتعاً.
تتطوّر لغة التصميم في منطقة الخليج بسرعة. ما الذي يثير حماسك أكثر بشأن الهوية المعمارية للمنطقة حاليّاً؟
هناك ثقة متزايدة في النظر إلى الداخل. أصبح التصميم أقلّ اعتماداً على التقليد وأكثر اعتماداً على إعادة التفسير، مستلهماً من المناخ، والمواد، والذاكرة الثقافية، لكن معبّراً عنها بطريقة أكثر رقياً وعصرية. هذا التحوّل يبدو مهماً. لكنّني لا أعتقد أيضاً أنّ لغة التصميم الخليجية تتطوّر، بل أعتقد أنّها تُرى أخيراً على حقيقتها، فليس كلّ لغة تصميم تحتاج إلى تطوّر، بل قد تحتاج فقط إلى إعادة تفسير من قبل أشخاص مختلفين بطريقتهم الخاصة، كشكلٍ من أشكال التعبير، فنحن جميعاً ندرك الأشياء بشكلٍ مختلف على أي حال.

أخيراً، ما الذي يضيفه التصميم الجيد إلى حياة المرء اليومية لدرجة أنّه قد لا يدرك حتى أنّه يفتقده؟
شعور هادئ بالانسجام. عندما يُصمَّم المكان بشكلٍ مُتقن، يشعر المرء بأنّ كلّ شيء في مكانه الصحيح، بصرياً، ومادياً، وعاطفياً. فذلك يقلّص الاحتكاك بطرقٍ ناعمة، ومع مرور الوقت، يُترجم ذلك إلى شعورٍ أعمق بالراحة والوضوح. يجب مراعاة كلّ تفصيل، فالجماليات وحدها لا تكفي، بل يجب أن تتكامل مع الوظائف العملية ومع انسيابية الحركة.



