يتحوّل مفهوم الرفاهية وينتقل من الاستعراض إلى الحميمية، ومن التملّك إلى التجربة. وفي قلب هذا التحوّل، يبرز المصمّم اللبناني فادي ياشوعي كقوّةٍ صاعدة في عالم التصاميم القابلة للاقتناء والجمع، جديرة بالمتابعة عن كثب.
في عصرٍ تُقاس فيه المكانة الاجتماعية عادةً بقوّة محرّك السيّارة، أو الساعات الفاخرة، أو نتائج المزادات، بدأ رمزٌ أكثر هدوءاً للقوّة بالظهور، رمزٌ لا يسكن المرآب أو الخزانة، بل المساحات التي نعيش فيها يومياً. التصميم القابل للجمع، الذي كان حكراً على فئةٍ معيّنة من الخبراء، بات سريعاً لغةً جديدةً للسلطة الثقافية. وفي قلب هذا التحوّل يقف فادي ياشوعي، المهندس المعماري المقيم في بيروت ومؤسّس Atelier L’Inconnu، الذي تربط أعماله النحتية بين التراث والحداثة بدقّةٍ عاطفيةٍ نادرة. حازت أحدث تصاميمه، La Volupté، وهو مقعد معماري أنيق يُحيي حرفة صناعة الخوص اللبنانية المهدّدة بالانقراض، على جائزة Best Collection في جوائز Créateurs Design Awards 2026، مما رسّخ مكانته بقوّة على خريطة التصميم العالمية. مع ذلك، فإنّ صعود ياشوعي لا يعتمد على الاستعراض بقدر ما يعتمد على القناعة. انطلاقاً من مدينة تُعرف بصمودها بقدر ما تُعرف بإبداعها، لا ينظر إلى الأثاث كزينة أو رمز للمكانة، بل كوجودٍ وحضور: قطعٌ تشيخ مع أصحابها، وتُشكّل طقوسهم، وتُعيد تعريف معنى الفخامة بهدوء. في مقابلة مع ELLE Man Arabia، يتأمّل ياشوعي في الحسّية، والبقاء، ولماذا قد تكون أقوى الأشياء اليوم هي تلك التي نعيش معها كلّ يوم.
تفوّق Atelier L’Inconnu على بعضٍ من أكبر الأسماء في عالم تصميم القطع القابلة للجمع. ما أول فكرة خطرت ببالكَ عندما سمعتَ بفوزك: الفخر، أم عدم التصديق، أم ضغط التفوّق على نفسك في المرّة القادمة؟
بصراحة، انتابني شعورٌ بالشكّ في البداية. ثمّ جاءت لحظة تأكيد هادئة بأنّ اختيار الإنتاج في لبنان مع توجيه العمل نحو العالمية كان القرار الصائب في نهاية المطاف. عندما تعمل من بيروت، غالباً بإمكانيات محدودة ولكن بقناعة راسخة، لا تصمّم وأنت تتوقّع تأييداً أو اعترافاً على هذا النطاق. جاء الفخر لاحقاً، وكان فخراً هادئاً. أكثر من الشعور به كضغطٍ لتجاوز نفسي، أحسستُ بالمسؤولية: أن أبقى صادقاً، وأن أستمرّ في العمل من منطلق الدقّة والفضول نفسيهما اللذين أوصلا Atelier L’Inconnu إلى هنا، في المقام الأول.

أنتَ تصف La Volupté بأنّها منحوتة وهندسيّة، لكن الاسم يعني حرفياً المتعة. ما مدى أهمية الحسّية في لغة تصميمكَ؟
الحسّية عنصر أساسي في لغة تصميمي. أؤمن بأنّ الأثاث يجب أن يُحَسَّ قبل أن يُفهم تماماً. يوفّر التصميم المعماري الهيكل، لكن المتعة هي ما يمنح القطعة معناها. مع La Volupté، انصبّ اهتمامي على التوتّر بين التحكّم والنعومة، بين الهندسة “الجيوميترية” والجسد. الوظيفة شرط أساسي وضروري، لكنّها ليست كافية أبداً. إنّ الإثارة العاطفية هي ما يحوّل القطعة من مجرّد شيء إلى كيانٍ حاضر. إذا لم يُحرّك التصميم شيئاً على المستوى العاطفي أو الجسدي، فأعتقد أنّ تأثيره قد يكون محدوداً.
أنتَ تُحيي حرفة صناعة الخوص اللبنانية المهدّدة بالانقراض. هل ترى نفسكَ مصمّماً أم حامياً للتراث الثقافي بأدواتٍ عصرية؟
أرى نفسي مصمّماً قبل كلّ شيء، لكنّني أدرك أنّ التصميم لا يُوجد بمعزل عن الواقع. بالنسبة لي، لا يتعلّق الحفاظ على التراث بالحنين إلى الماضي، بل بالتطوّر. فالحرفة لا تزدهر إلا عندما تُتاح لها فرصة للتغيير والدخول في سياقات جديدة.

ماذا كشفت لكَ هذه المجموعة عن الحوار بين التراث، والمادة، والابتكار؟
في هذه المجموعة، استخدمتُ مادةً قديمةً جداً وأعدتُ تقديمها بأسلوبٍ معاصر. كان هذا تحدّياً تصميمياً في كيفية تكريم روح المادة مع توسيع آفاقها، وتحدّياً للحرفيين الذين يعملون بمواد مألوفة لكنّهم يُبدعون شيئاً غير متوقّع تماماً. في هذه العملية، أرى نفسي جسراً بين التقاليد والابتكار، بين ذاكرة الماضي ورؤية المستقبل. يتعلّق الأمر بإعادة اكتشاف التقنيات التي كانت على وشك الاختفاء في لبنان، ومنحها صوتاً ومستقبلاً، وضمان استمرار الحرفة، والمواد، والقصص التي تتضمّنها للأجيال القادمة.

ما هي التقنيات التالية التي تفكّر في حمايتها في مجال الحفاظ على التراث؟
أهتمّ حالياً بالأعمال الحرفية والتدخّلات التي تُمكّنني من إيصال فكرة ما من خلال المادة نفسها. أعمل حالياً على استكشاف مادة منسية في مجموعتي القادمة، بهدف إحيائها في سياقٍ معاصر. وإذا تمكّنت من إعادتها إلى الحياة بطريقةٍ ذات مغزى، فسيكون ذلك إنجازاً عظيماً.

غالباً ما يرتبط اسم لبنان بأخبار الأزمات. إلى أي مدى تصمّم بوعي في مواجهة أو ضدّ هذه الصورة النمطية، وإلى أي مدى تُؤثّر المرونة في عملية إبداعكَ؟
لا أصمّم في مواجهة هذه الصورة النمطية بقدر ما أتجاوزها. فالصمود والمرونة جزء لا يتجزّأ من الحياة اليومية هنا، وتكاد تكون متأصّلة فينا. لقد علّمتني هذه الحقيقة أن أكون مبدعاً، وأن أثق بحدسي، وأن أعمل بما هو متاح بدلاً من انتظار الظروف المثالية. بمعنى ما، القيود تُصقل الوضوح. أنا شخصياً أبحث عن الجمال في الحياة بدلاً من الانغماس في السلبية. حتى عندما تركّز العناوين الرئيسية على الأزمات، أختار أن أرى الثراء، والإبداع، والإمكانات من حولي، وهذا التفاؤل يشكّل حتماً الطريقة التي أتعامل بها مع عملي.
في عالمنا اليوم، تُشير الساعات، والسيارات، والفنون إلى المكانة الاجتماعية. هل تعتقد أنّ قطع الأثاث القابلة للجمع أصبحت رمزاً جديداً للقوّة لدى الرجل العصري؟
نعم، ولكنّني أعتقد أنّ الأمر يتجاوز مجرّد المكانة. ما يُثير إعجابي في تصميمات القطع القابلة للجمع هو أنّها تعكس الذوق الشخصي بطريقةٍ تُعبّر بوضوح عن شخصية الفرد. اختيار قطع لا تخضع لاتجاهات الموضة يُظهر رقيّاً، وثقة بالنفس، وإحساساً حقيقياً بالذات. بالنسبة لي، هذه هي الفخامة: امتلاك قطع تُعبّر عن الشخصية بدلاً من مجرّد التماهي مع الآخرين.

يُصبح الأثاث، على عكس العديد من القطع القابلة للاقتناء الأخرى، جزءاً من الحياة اليومية. كيف تُغيّر هذه العلاقة الحميمة مفهوم القوّة والفخامة في التصميم؟
تتمتّع قطع الأثاث القابلة للجمع بقوّةٍ خاصة، فهي تعيش معك، وتشيخ معك، وتصبح جزءاً من حياتك اليومية، تُشكّل طقوسك وتخلق ذكرياتك. على عكس الساعات، أو السيارات، أو الأعمال الفنّية، التي تُشير إلى المكانة الاجتماعية، يُقدّم الأثاث شكلاً أكثر هدوءاً وحميمية من القوّة، يُعلي من شأن الصبر، والذوق الرفيع، والذكاء في اختيار المواد، تاركاً بصمةً راسخةً على المساحات واللحظات التي تُشكّل حياتك.

ما هو القرار التصميمي الأكثر جرأةً الذي اتخذته حتى الآن، ذلك القرار الذي كان من الممكن أن يفشل ولكنّه انتهى به الأمر إلى تحديد بصمتك المميّزة؟
إدخال عنصر عدم الارتياح في القطع التي لا تسعى إلى إرضاء العميل فوراً. في البداية، تبنّيتُ النسب غير المنتظمة، والتصاميم الجريئة، وتناقضات المواد التي بدت وكأنّها تُثير الاستغراب. كان من الممكن أن يُنفر هذا بعض الناس، ولكنّه بدلاً من ذلك أوضح هوية الاستوديو.
أنت الآن ممثّلٌ بمجموعة The Invisible Collection، وهي قمّة التصميم القابل للجمع. كيف تُوازن بين الحرية الإبداعية ومتطلّبات سوق المنتجات الفاخرة؟
أنا محظوظ لأنّ مجموعة The Invisible Collection تُقدّر قوّة الإبداع. ويكمن التوازن في الوضوح: معرفة ما يمكنني التنازل عنه وما لا يمكنني التنازل عنه. قد يؤثّر طلب السوق على حجم العمل أو شكله النهائي، لكن جوهر العمل ورسالته يجب أن يظلا كما هما.

كيف تَصِفُ طقوسك الإبداعية؟
ليس لديّ طقوس ثابتة أو وقت محدّد للتصميم. أحياناً أجد نفسي أتساءل كيف خطرت لي فكرة معيّنة، فأبتسم لأنّني أشعر وكأنّ هناك شخصية صغيرة في رأسي أتمنّى أن ألتقي بها يوماً ما. يبدو أنّ هذه الشخصية الصغيرة تتصرّف وفقاً لمشاعري وحدسي، حاملةً دائماً قصّة تُشكّل تجاربي في الهندسة المعمارية، والتصميم الداخلي، والأثاث، وفي الحياة عموماً. بطريقة ما، يسترشد إبداعي بهذه الروايات الداخلية أكثر من استرشاده بجدولٍ زمني أو طقوسٍ محدّدة.




