في إطار مشاركته المرتقبة في مهرجان طيران الإمارات للآداب 2026، يقدّم الدكتور عبد العزيز المسلّم رؤية فكرية عميقة حول التراث العربي بوصفه ذاكرة حيّة ومصدراً لصناعة السرد المعاصر. في هذا اللقاء الصحفي، يفتح لنا أبواب تجربته الشخصية والمهنية، ويتوقف عند الحكاية الشعبية، والذاكرة الشفوية، ودورها في تشكيل الهوية، وصناعة المستقبل الثقافي في الخليج والعالم العربي، من منظور يجمع بين البحث الأكاديمي والوعي الحضاري.
١– كيف تصف علاقتك الشخصية بالتراث العربي، وما اللحظة التي جعلتك تدرك أنه سيكون مسار حياتك المهني؟
علاقتي بالتراث العربي ليست علاقة دراسة، بل علاقة نشأة وذاكرة، أنا ابنُ بيئةٍ كانت الحكاية فيها تُقال قبل أن تُكتب، وكانت الأدب الشعبي مادة الحياة اليومية (حكم، أمثال، شعر)، وكانت المجالس تحفظ ما لا تحفظه الكتب، اللحظة الفارقة لم تكن في المؤسسات الثقافية بل في طفولتي، حين أدركت أن ما يرويه الكبار في البيوت والمجالس مهدد بالزوال إن لم يتحول إلى معرفةٍ موثقة، لاحقاً، حين التحقت بأول دورة في التراث الشعبي بمركز التراث الشعبي لدول مجلس التعاون الخليجي عام 1985، أدركت أن ما كنت أسمعه في طفولتي ليس (شيء عابر) بل نظاماً ثقافياً كاملاً يحتاج من يدافع عنه علمياً ومؤسسياً.
2. ما الذي يدفعك اليوم إلى مواصلة البحث في الحكايات الشعبية والذاكرة الشفوية في الخليج والعالم العربي؟
لأننا نعيش أخطر مرحلة في تاريخ الذاكرة العربية، مرحلة السرعة، حيث تُمحى الرواية الشفوية قبل أن تُنقل، الحكايات الشعبية ليست تسلية، بل هي أرشيف القيم، والخوف، والهوية، والتمثلات العميقة للعالم، أنا لا أبحث عن الماضي بدافع الحنين، بل بدافع إدراك أن المستقبل بلا ذاكرة يتحول إلى نسخة مستوردة من الآخر، الخليج اليوم في قلب التحول العالمي، وإذا لم نفهم أنفسنا سردياً، سنُروى من الخارج.
3. كيف تتعامل مع ترجمة أعمالك؟ وهل تعتقد أن الحكاية الشعبية قادرة على الاحتفاظ بروحها عند انتقالها إلى لغات وثقافات أخرى؟
الترجمة في الحكاية الشعبية ليست نقلاً لغوياً، بل عبور حضاري، لكن على المترجمين ان يدركوا أن كلمة مثل ابو السلاسل أو أم الدويس ليست مقابلاً لغوياً، بل بنية تخييلية، نعم، الحكاية قادرة على عبور اللغات، بشرط ألا تُفرَّغ من رمزيتها المحلية، التراث الثقافي حين يُترجم جيداً لا يصبح عالمياً فحسب، بل يُذكّر العالم بأن لكل ثقافة طريقتها الخاصة في تخيّل البطولة، الخير، الشر، الخوف.

4. كتبتَ أيضاً للأطفال. برأيك، ما دور الحكاية الشعبية في تشكيل خيال الطفل الخليجي والعربي؟
الطفل الذي يكبر على شخصيات مستوردة سيحلم بأحلام ليست له، الحكاية الشعبية تمنح الطفل العربي أبطالاً يشبهون بيئته، صحراءه، بحره، ولهجته، هي التي تزرع في داخله إحساس الانتماء الثقافي، في زمن الشاشات، الحكاية الشعبية ليست ترفاً تربوياً، بل دفاعاً عن الهوية الوطنية.
5. بصفتك رئيساً لمعهد الشارقة للتراث، ما المشاريع الجديدة التي تعملون عليها حالياً؟
نحن ننتقل من مرحلة التوثيق إلى مرحلة إعادة تشغيل التراث، من أبرز مشاريعنا:
• الأرشيف الرقمي: تحويل المادة المسجلة في القرن العشرين على اشرطة كاسيت و بكرات و فيديو الى أرشيف رقمي مصنف سهل الاسترجاع.
• مختبر اللهجات: منصة حية لدراسة و فرز اللهجات المحلية.
• الواقع المعزز و الهولوغرام لتقديم الشخصيات التاريخيّة و كذلك الخرافية
هذه المشاريع لا تحفظ التراث فقط، بل تعيد إدخاله في المستقبل.
6. ما الفكرة التي ستقدمها في مهرجان طيران الإمارات للآداب 2026؟
سأقدم مشروع (الخراريف بوصفها أدب المستقبل)، حيث أطرح أن الحكايات الشعبية ليست بقايا الماضي، بل مادة خام للأدب، السينما، الألعاب، والذكاء الاصطناعي، الغرب بنى هوليوود على أساطيرنا و أساطير الشعوب الأخرى، لكننا لازلنا نمتلك كنزاً أكبر، لكننا لم نحوله بعد إلى صناعة سردية عالمية.
7. ما الذي يميّز نسخة 2026 من مهرجان طيران الإمارات للآداب بالنسبة لك؟
هذه النسخة تأتي في لحظة نضج ثقافي إماراتي غير مسبوق، لم نعد نعرض ثقافتنا بوصفها ترف على هامش النهضة التنموية الشاملة، بل هي معرفة وصناعة وهوية ناعمة، مشاركتي هذا العام ليست احتفالية، بل تدخل في نقاش عالمي حول: من يملك حق رواية قصتنا؟ الإمارات اليوم لم تعد مستهلكة للسرديات، بل صانعة لها.



