وراء اسم BossLogic يقف الفنان الرقمي كود عبده، المولود في سوريا والذي نشأ في ملبورن بأستراليا، حيث بنى مسيرته من خلال إعادة تخيل شخصيات وعوالم يعرفها الجمهور، قبل أن تتحول تجاربه الشخصية على الإنترنت إلى أعمال رسمية لصالح كبرى شركات الترفيه العالمية. وفي سبتمبر 2026، عاد اسمه إلى الواجهة من أبوظبي، بالتزامن مع مشاركته في مؤتمر الشرق الأوسط للأفلام والقصص المصورة، ليكشف عن رؤيته للفن الرقمي والذكاء الاصطناعي ومستقبل الإبداع.
الفكرة التي رافقت كثيرًا من أعماله تبدو بسيطة: «ماذا لو؟». ماذا لو أدى ممثل معين شخصية خارقة؟ ماذا لو تغير عالم إحدى الشخصيات المعروفة؟ وماذا لو تحولت فكرة متداولة بين الجمهور إلى صورة مكتملة يمكن رؤيتها قبل أن تظهر رسميًا؟ بهذه الطريقة، صنع BossLogic لنفسه مساحة خاصة بين الفن وثقافة الأفلام والألعاب والقصص المصورة.

من فن المعجبين إلى الأعمال الرسمية
بدأت مسيرة BossLogic من النوع الذي كان يُنظر إليه طويلًا باعتباره هواية على الإنترنت: فن المعجبين. لم يكن ينتظر تكليفًا أو موجزًا إبداعيًا، بل كان يأخذ الشخصيات والأفكار التي تثير اهتمامه ويعيد بناءها بطريقته الخاصة.
ومع انتشار أعماله، بدأت تلك الصور تصل إلى الأشخاص الذين يقفون خلف الشخصيات نفسها. وتحوّل الفنان تدريجيًا من نشر أعمال مستوحاة من عوالم Marvel وDC وغيرها إلى تنفيذ أعمال رسمية لشركات مثل Marvel وDisney وWarner Bros وNetflix وParamount وSony. وكان من أبرز التحولات في مسيرته العمل المرتبط بفيلم Avengers: Endgame، إلى جانب ملصقات وأعمال ترويجية رسمية لشخصيات وأفلام مختلفة.
كما تعاون معه الأخوان روسو، مخرجا Avengers: Endgame، في أعمال مرتبطة بحساباتهما على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما شارك Robert Downey Jr. أعمالًا من تصميمه أكثر من مرة. وهكذا بدأت الحدود بين الفنان الذي يصنع أعمالًا من تلقاء نفسه والفنان الذي تعمل معه الاستوديوهات الكبرى تصبح أكثر مرونة.
حين تصبح التكنولوجيا جزءًا من اللغة الإبداعية
شهدت أدوات BossLogic تغيرًا كبيرًا منذ بداياته، من تطور برامج معالجة الصور والتصوير إلى انتشار تقنيات التصميم ثلاثي الأبعاد، ثم وصول الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي أحدث تحولًا أوسع في طريقة إنتاج الصور ومناقشة مفهوم الأصالة والملكية الفنية.
لكن موقفه من هذه الأدوات لا يقوم على اعتبار التكنولوجيا بديلًا عن الفنان. ففي حديثه الأخير، يرى أن الذكاء الاصطناعي دفع الصناعة إلى نقاشات كانت تحتاج إليها أصلًا، فيما تظل قيمة العمل مرتبطة بما يتركه صاحبه من ذوق وتجارب وأخطاء ومحاولات داخل الصورة.
وهنا تظهر إحدى أهم أفكار BossLogic عن الفن الرقمي: يمكن للتكنولوجيا أن تجعل إنتاج صورة مبهرة أسهل، لكن الأصعب هو أن تحمل الصورة بصمة صاحبها. بالنسبة إليه، ليست الأداة هي التي تصنع الهوية البصرية وحدها، بل السنوات التي يقضيها الفنان في التجربة والفشل وإعادة المحاولة واكتشاف ما يشبهه فعلًا.


آلاف المحاولات خلف الصورة الواحدة
وراء الصور المصقولة التي يعرفها الجمهور توجد عملية أقل مثالية بكثير. يتحدث BossLogic عن حجم التجارب الفاشلة التي لا يراها الجمهور؛ محاولات تبدأ ثم تُحذف، وأفكار يعاد بناؤها، واتجاهات كاملة يمكن أن تتغير قبل الوصول إلى الصورة النهائية.
ولهذا لا يرى أن الفنان يحتاج إلى الوصول سريعًا إلى «أسلوبه الخاص». على العكس، ينصح المبدعين الشباب بترك أعمالهم تتغير، حتى لو بدا معرض أعمالهم في البداية وكأنه ينتمي إلى فنانين مختلفين. فالصوت الشخصي، في نظره، لا يُختار دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجيًا عبر السنوات.
هذه الرؤية تمنح تجربته بعدًا يتجاوز ثقافة الأبطال الخارقين؛ فهي تتحدث عن الطريقة التي يمكن أن يبني بها جيل جديد من الفنانين مسيرته في عالم لم تعد فيه الحدود بين التصميم والتصوير والسينما والألعاب والذكاء الاصطناعي واضحة كما كانت.
جذور عربية في مشهد عالمي
رغم أن ملبورن كانت البيئة التي نشأ فيها الفنان، فإن جذوره السورية تظل جزءًا مهمًا من علاقته بالمنطقة. ويقول BossLogic إن حضوره في الشرق الأوسط يحمل بالنسبة إليه معنى يتجاوز المشاركة في فعالية أو زيارة عابرة، خصوصًا مع التطور المتسارع للمشهد الإبداعي في المنطقة.
ويرى أن المنطقة تمتلك جمهورًا شغوفًا بالأفلام والألعاب والأنمي والقصص المصورة والفن، وأن البنية الإبداعية والفرص المتاحة بدأت تواكب هذا الشغف بصورة أكبر. كما يرى أن الفنانين في الشرق الأوسط أصبحوا أمام فرصة حقيقية لبناء مساراتهم من داخل المنطقة بدل الشعور بأن النجاح العالمي يتطلب دائمًا مغادرتها.
وهذه النقطة تبدو لافتة في مسيرته تحديدًا؛ فهو نفسه لم يبدأ من أحد المراكز التقليدية لصناعة الترفيه العالمية، بل من ملبورن ومن الإنترنت، الذي منحه مساحة للوصول إلى جمهور عالمي قبل أن تصل إليه الاستوديوهات الكبرى.

فنان لا يزال في طور اكتشاف نفسه
ربما تكمن جاذبية تجربة BossLogic في أنه لا يقدم نفسه بوصفه فنانًا وصل إلى نهايته، بل كمبدع لا يزال يتعلم ويجرب. فحتى بعد سنوات من العمل مع شركات عالمية، يرى أن الهوية الفنية ليست شيئًا مكتملًا يمكن تثبيته مرة واحدة.
في عالم يتغير فيه الذكاء الاصطناعي بسرعة، تبدو هذه الفكرة أكثر أهمية: الأدوات ستتغير باستمرار، لكن التجربة الشخصية، والذوق، والفضول، والفشل، والقدرة على طرح سؤال جديد، هي العناصر التي يمكن أن تمنح العمل هوية يصعب تكرارها.
ومن هنا تبدو رحلة BossLogic أكبر من قصة نجاح لفنان رقمي؛ إنها مثال على جيل من المبدعين الذين استطاعوا أن يبدأوا من الإنترنت، ويبنون جمهورهم بأنفسهم، ثم يحولوا ذلك الحضور إلى تعاونات عالمية، بينما تظل لديهم مساحة لإعادة تعريف ما يعنيه أن تكون فنانًا في عصر الذكاء الاصطناعي.



