في المشهد العالمي للموضة، تظهر أسماء لا تكتفي بتقديم تصاميم لافتة، بل تحمل معها رؤية خاصة للهوية والفخامة وطريقة التعامل مع المواد. ومن بين هذه الأسماء يبرز المصمم السعودي زياد البوعينين، الذي بنى علامته في لندن مستفيداً من تجربة دولية واسعة، مع الحفاظ على صلة واضحة بجذوره السعودية. وفي عام 2025، حصل على جائزة Fashion Trust Arabia في فئة الأزياء المسائية، في محطة بارزة عززت حضوره ضمن جيل جديد من المصممين العرب.
من السعودية إلى عواصم الموضة
وُلد زياد البوعينين في السعودية، ونشأ في طوكيو، ثم عاش في سويسرا ونيويورك وميلانو ولندن، وهي تجارب متعددة الثقافات ساعدت في تشكيل نظرته إلى التصميم. حصل على درجة الماجستير في تصميم أزياء النساء من Istituto Marangoni في ميلانو، قبل أن يؤسس علامته التي تحمل اسمه في لندن عام 2021. وتظهر هذه الرحلة في فلسفة العلامة التي تتقاطع فيها الثقافة والفن والتجربة الشخصية مع رؤية عالمية للموضة.

فخامة تبحث عن معنى
تقدم علامة زياد البوعينين رؤية للفخامة تقوم على البحث والتجريب والاهتمام بالتفاصيل، مع حضور واضح للطبعات الجريئة والخطوط المدروسة والخامات ذات الطابع المميز. وتمنح هذه العناصر القطع شخصية مستقلة، بينما يحافظ التصميم على توازن بين الجرأة والأناقة. هكذا تصبح الفخامة في تجربته مرتبطة بالتعبير عن الشخصية بقدر ارتباطها بالحضور البصري.
جائزة تفتح فصلاً جديداً
كان عام 2025 محطة أساسية في مسيرة البوعينين، بعدما فاز بجائزة Eveningwear ضمن Fashion Trust Arabia. جاء الفوز بعد وصوله إلى القائمة النهائية للفئة نفسها، ليحصل بذلك على اعتراف مهم من إحدى أبرز المبادرات الداعمة للمواهب العربية المستقلة في مجال الأزياء. وقد شكلت الجائزة خطوة جديدة في مسيرة المصمم، ومنحت علامته مساحة أوسع ضمن المشهد الإبداعي الإقليمي والدولي.

الاستدامة جزء من التصميم
تحتل الاستدامة موقعاً أساسياً في فلسفة العلامة، إذ تُصنع القطع في لندن وفق نموذج Made-to-Order، مع استخدام الأقمشة المتبقية من الإنتاج والأقمشة المعاد تدويرها، إلى جانب خامات جديدة يتم الحصول عليها بمسؤولية. وفي مجموعة Daisies، اعتمد المصمم بالكامل على أقمشة deadstock وأقمشة معاد تدويرها، في مقاربة تربط بين الحرص على الموارد والبحث عن حلول إبداعية تحافظ على الإحساس بالفخامة.
حين تصبح السعودية ذاكرة بصرية
تكشف مجموعة From The Ground Up عن جانب شخصي ومميز في علاقة البوعينين بالسعودية. استعاد المصمم فيها ذكريات طفولته في الخبر خلال التسعينيات، مستلهماً تفاصيل من منزل أجداده وحديقتهم والأسواق التي كان يزورها مع جدته. وحوّل صوراً مجهرية لشرائح صخرية من مواقع مختلفة في السعودية إلى طبعات رقمية داخل المجموعة، لتصبح الأرض والذاكرة جزءاً من لغة التصميم.

بين الجذور والنظرة العالمية
لا تبدو تجربة البوعينين محاولة لإعادة إنتاج التراث السعودي بصورة مباشرة، بل أقرب إلى إعادة تفسير الذاكرة والمكان من خلال لغة تصميم معاصرة. فالمسار الذي جمع بين السعودية وطوكيو وسويسرا ونيويورك وميلانو ولندن منحه مرجعيات ثقافية متعددة، لكنه لم يفصله عن جذوره. وعلى العكس، تحولت بعض عناصر تجربته الشخصية إلى مادة يمكن إعادة صياغتها ضمن رؤية تتوجه إلى جمهور عالمي.
صوت سعودي في مشهد عالمي
يأتي صعود زياد البوعينين في وقت يشهد فيه قطاع الموضة السعودي حضوراً متزايداً للمواهب الشابة التي تبحث عن موقع لها على الساحة الدولية. وما يميز تجربته هو الجمع بين التعليم والخبرة الدولية من جهة، والمرجعيات السعودية والذاكرة الشخصية من جهة أخرى. هذه المعادلة تمنحه فرصة لبناء هوية تصميمية مستقلة، قادرة على مخاطبة العالم من دون التخلي عن جذورها.
تألق يتجاوز الجائزة
الجائزة التي حصل عليها في 2025 مهمة، لكنها لا تختصر تجربة زياد البوعينين. الأهم هو الطريقة التي يواصل بها تطوير علامته حول مجموعة من القيم التي تشمل الفخامة الواعية، والبحث الفني، والذاكرة الشخصية، والإنتاج المسؤول. ومع استمرار مسيرته الدولية، يبدو أن أمام المصمم السعودي مساحة واسعة لتطوير هذه اللغة وتحويل حضوره الحالي إلى مسار أكثر رسوخاً.

في النهاية، لا يأتي تألق زياد البوعينين من الاختيار بين الهوية والعالمية، بل من قدرته على الجمع بينهما. فذكريات الخبر يمكن أن تتحول إلى طبعات معاصرة، وتجربة المدن العالمية يمكن أن تتحول إلى رؤية تصميمية، والاستدامة يمكن أن تصبح جزءاً من الفخامة. وبين هذه العناصر، يبني المصمم السعودي لغة خاصة به، تحمل جذورها بوضوح وتنظر في الوقت نفسه إلى ما وراء الحدود.



