قبل سنوات قليلة، كانت الشاشة الكبيرة في المقصورة وسيلة واضحة لإظهار مدى تطور السيارة. أما اليوم، فقد أصبحت الشاشات الكبيرة منتشرة على نطاق واسع، إلى درجة أن بعض السيارات الجديدة تقدم مساحات عرض تمتد عبر جزء كبير من لوحة القيادة. وفي 2026، ظهرت شاشات بقياسات ضخمة، فيما تتجه بعض الشركات إلى دمج أكثر من شاشة في منظومة واحدة تشمل السائق والراكب والوظائف الترفيهية.
لكن انتشار الشاشة الكبيرة في السيارات يطرح سؤالًا مختلفًا: هل الحجم بحد ذاته يجعل التجربة أفضل، أم أن قيمة الشاشة تعتمد على الطريقة التي تستخدم بها؟
عندما يصبح الحجم مفيدًا فعلًا
هناك وظائف تستفيد بوضوح من مساحة العرض الأكبر. الخرائط، على سبيل المثال، يمكن أن تعرض معلومات أكثر في الوقت نفسه، كما يمكن للشاشات الأكبر تقديم واجهات أكثر وضوحًا للكاميرات وأنظمة الملاحة ومعلومات السيارة.
وتشير تحليلات تقنية السيارات إلى أن المساحات الأكبر تمنح المصممين قدرة أكبر على ترتيب المعلومات وتقليل ازدحام الواجهة، خصوصًا عندما تكون الشاشة مصممة لعرض المعلومات المهمة في مكان واضح بدل دفع السائق إلى التنقل بين قوائم متعددة. وهنا يصبح الحجم ميزة عندما يخدم الوظيفة، وليس عندما يكون مجرد رقم في قائمة المواصفات.

المشكلة تبدأ عندما تحل الشاشة مكان كل شيء
في المقابل، أدى انتشار الشاشات إلى نقل وظائف كانت تتم عبر أزرار ومقابض واضحة إلى داخل القوائم الرقمية. التحكم في درجة الحرارة، مستوى الصوت، تدفئة المقاعد أو بعض وظائف القيادة قد يتطلب في بعض السيارات الدخول إلى أكثر من قائمة.
وهذا يعيد إلى الواجهة أهمية أدوات التحكم الملموسة، خصوصًا للوظائف التي يستخدمها السائق باستمرار. فالأزرار والمقابض يمكن الوصول إليها باللمس ومن دون الحاجة إلى البحث بصريًا عن مكانها، بينما يتطلب التحكم عبر شاشة النظر إليها وتحديد الوظيفة المطلوبة.
عودة الأزرار ليست تراجعًا عن التقنية
اللافت في السيارات الحديثة أن عودة بعض الأزرار لا تعني بالضرورة رفض الشاشات. بل يبدو أن الاتجاه يتجه نحو الجمع بين الاثنين.
فبعض الشركات بدأت بإعادة أدوات التحكم التقليدية للوظائف الأساسية، بينما تحتفظ الشاشة بالمهام التي تستفيد فعلًا من الواجهة الرقمية، مثل الملاحة، الوسائط، إعدادات السيارة والمعلومات المتغيرة.
وفي 2026، أصبح هذا التوازن أكثر أهمية أيضًا في تقييمات السلامة؛ إذ دفعت جهات اختبار السيارات إلى إعطاء أهمية أكبر لوجود أدوات تحكم مادية لبعض الوظائف الأساسية.

ليست كل شاشة كبيرة متشابهة
قياس الشاشة وحده لا يخبرنا كثيرًا عن جودة النظام. فهناك فرق بين شاشة كبيرة ذات واجهة سريعة وواضحة، وأخرى ضخمة لكنها تحتاج إلى خطوات متعددة للوصول إلى وظيفة بسيطة.
وتدخل هنا عوامل مثل سرعة الاستجابة، وضوح الرموز، سهولة الوصول إلى الوظائف الأساسية، جودة الخرائط، التكامل مع الهاتف، وإمكانية تخصيص الواجهة.
حتى التصميم نفسه مهم؛ فالشاشة الموضوعة في مكان مناسب ضمن مجال رؤية السائق يمكن أن تكون أكثر فائدة من شاشة أكبر لكنها تتطلب إبعاد العينين عن الطريق للوصول إلى معلومات أساسية.
الشاشة الكبيرة قد تخدم السائق والراكب معًا
أحد التطورات اللافتة هو انتقال الشاشة من كونها واجهة للسائق فقط إلى مساحة تفاعلية للمقصورة بأكملها. بعض السيارات الفاخرة تقدم شاشات للراكب الأمامي، بينما تتجه أنظمة أخرى إلى شاشات ممتدة أو متعددة تعرض وظائف مختلفة في الوقت نفسه.
لكن هذا الاستخدام يوضح أيضًا أن وجود شاشة إضافية لا يعني تلقائيًا تجربة أفضل. فقد أظهر استطلاع حديث لمالكي سيارات موديل 2026 أن التقنيات التي تعمل بهدوء في الخلفية وتحل مشكلة واضحة تحظى بتقدير أكبر من بعض التقنيات الاستعراضية، فيما جاءت شاشات الراكب المدمجة في لوحة القيادة ضمن التقنيات الأقل استخدامًا في ذلك الاستطلاع.

حتى السيارات التي تكبر شاشاتها تعيد التفكير في طريقة استخدامها
المفارقة أن بعض الشركات التي توسع مساحة الشاشات بدأت في الوقت نفسه بإعادة التفكير في طريقة التحكم بها. ففي تحديثات حديثة، تتجه بعض الأنظمة إلى تبسيط الواجهات، تكبير مناطق اللمس، وإظهار المعلومات بحسب السياق بدل وضع كل الوظائف أمام السائق دفعة واحدة.
وفي مثال حديث، أعلنت جنرال موتورز عن أنظمة جديدة لشاحناتها تجمع بين مساحة شاشة إجمالية كبيرة جدًا وبين أدوات تحكم مادية للوظائف الأساسية، مع تصميم الواجهة بطريقة تهدف إلى تقليل الحاجة إلى التنقل بين الشاشات.
ماذا عن مستقبل المقصورة؟
يبدو أن مستقبل شاشات السيارات لا يتجه إلى الاختفاء، بل إلى أن تصبح أكثر اندماجًا مع المقصورة. ومن المتوقع أن تستمر الشاشات في التوسع، سواء من خلال الشاشات العريضة أو المنحنية أو شاشات العرض الأمامية، بينما تصبح البرمجيات جزءًا أساسيًا من تجربة السيارة.
وفي الوقت نفسه، تظهر مؤشرات على أن صناعة السيارات بدأت تدرك أن التحول الرقمي الكامل ليس بالضرورة الحل لكل وظيفة. حتى مرسيدس-بنز، التي تعد من أكثر الشركات اعتمادًا على المساحات الرقمية، لا تزال تشهد نقاشًا حول حدود توسع الشاشات داخل المقصورة.
القيمة الحقيقية ليست في عدد البوصات
لم تعد الشاشة الكبيرة وحدها كافية لتقديم السيارة على أنها أكثر تطورًا. القيمة الحقيقية تظهر عندما تستخدم المساحة الإضافية لتقديم معلومات أو وظائف يصعب عرضها بطريقة أفضل على شاشة أصغر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سهولة التحكم في الوظائف التي يحتاجها السائق باستمرار.
لذلك، قد تكون الشاشة الكبيرة ميزة فعلًا، لكن ليس بسبب حجمها وحده. في السيارة الحديثة، تصبح التقنية أكثر إقناعًا عندما تختفي خلف تجربة بسيطة وسريعة وواضحة، بدل أن تجعل السائق يتعامل مع شاشة ضخمة لمجرد تنفيذ أبسط وظائف المقصورة.



