تتجلى عبقرية الشعوب في تحويل الأدوات البسيطة إلى رموز خالدة، حيث يبرز التقاء ساحر بين الفن والتراث ليروي لنا حكاية رمز استثنائي. إن البحث في كيف صار الفانوس تلك الأداة التي تنير الدروب، يكشف عن قصة عميقة جعلته يتربع على عرش هوية لرمضان عبر العصور. وحين نغوص في تاريخ الفانوس، ندرك أن تحوله إلى هوية لم يكن وليد الصدفة، بل كان مزيجاً من الإبداع الإنساني والاحتفاء بالضوء الذي جعل من رمضان موسماً يتلألأ بـ الفن العريق والتراث الذي لا يشيخ، ليظل الفانوس هو الشاهد الأجمل على كيف صار الضوء لغة عالمية للشهر الفضيل.
رحلة الضوء من القصور إلى القلوب
تعود الجذور الأولى لأسطورة الفانوس إلى العصر الفاطمي، وتحديداً لحظة دخول المعز لدين الله إلى القاهرة في ليلة رمضانية، حيث استقبله الأهالي بالمشاعل والسرج المزينة بالجلود والخشب لحمايتها من الريح. منذ تلك اللحظة، انتقل الفانوس من كونه أداة وظيفية للإضاءة ليصبح طقساً احتفالياً يعبر عن الفرح والترحيب. وبمرور الزمن، تطورت صناعته لتصبح حرفة يدوية دقيقة تتوارثها الأجيال، حيث تفنن الحرفيون في تطعيمه بالزجاج الملون والنقوش النحاسية التي تعكس الضوء بظلال هندسية تضفي سكينة ووقاراً على المكان، مما منحه مكانة رفيعة في القصور والبيوت الراقية على حد سواء.

ملامح الحرفة وسحر العمارة المصغرة
لا يعتبر الفانوس التقليدي مجرد قطعة زينة، بل هو نموذج مصغر للعمارة الإسلامية الخالدة، حيث نجد فيه القباب، والمآذن، والزخارف النباتية والهندسية التي تحاكي جماليات المساجد العتيقة. إن استخدام “الصدأ النحاسي” المتعمد أو التذهيب اليدوي يمنح الفانوس قيمة فنية تتجاوز زمنه، ليصبح قطعة “أنتيك” فاخرة يحرص المقتنون على تزيين مجالسهم بها. هذه الحرفة التي تعتمد على تقطيع الزجاج بدقة متناهية ولحامه بخيوط من القصدير، تمثل ذروة الرفاهية اليدوية التي تأبى الاندثار أمام الصناعات الآلية، مؤكدة أن القيمة الحقيقية تكمن في روح الصانع التي تسكن ثنايا المعدن والزجاج.
الرمزية الوجدانية واستدامة الهوية
لقد استطاع الفانوس أن يصمد أمام رياح التغيير التكنولوجي بفضل حمولته الوجدانية التي تربط الفرد بذكريات الطفولة وتراث الأجداد. إنه يمثل “المنارة” الروحية التي تعلن عن قدوم موسم الخير، حيث تحول من مجرد وسيلة لإنارة الطرقات المظلمة إلى رمز للبهجة التي تضيء القلوب. إن الحفاظ على الفانوس بهويته الكلاسيكية النحاسية في العصر الحديث يعكس تمسكاً بالجمال الأصيل ورفضاً للموضات العابرة، ليظل هذا الرمز هو الخيط الرفيع الذي يربط بين التاريخ العريق والحاضر المستنير، مؤكداً أن الفخامة الحقيقية هي تلك التي تحمل في طياتها قصة وطن وروح أمة.

في ختام حكاية الضوء، يبقى الفانوس هو الأيقونة التي تختزل جماليات الشرق في قطعة فنية واحدة تجمع بين النور والظل، وبين الفن والتراث. إن اقتناءكِ لفانوس مصنوع يدوياً ليس مجرد استكمال لديكور رمضاني، بل هو استحضار لتاريخ طويل من الإبداع الإنساني الذي جعل من الضوء هوية والسكينة ممارسة يومية. اجعلي من وهج الفانوس في منزلكِ دعوة للتأمل في عظمة الحرف التقليدية، واكتشفي كيف يمكن لقطعة من النحاس والزجاج أن تروي قصصاً لا تنتهي من المجد والجمال، لتظل ليالي رمضانكِ مضيئة بعبق التاريخ وسحر الفن الخالد.



