تحفل ذاكرة الوطن بقصص الحركة التي سبقت الاستقرار والازدهار، حيث كانت طبيعة الرحلات الإماراتية القديمة امتحاناً للعزيمة وكفاحاً لا يتوقف. إن استحضار زمن الآباء المؤسسين هو تذكير بأن الأسفار لم تكن ترفاً، بل ضرورة قاسية شكلت شخصية وهوية هذه الأمة. هذا اليوم الوطني هو فرصة للتأمل في كيف كانت تلك الأسفار، سواء كانت البرية والبحرية منها، وكيف تحولت مشقة الماضي إلى ركيزة للرفاهية والسياحة العالمية في الحاضر.
الرحلات البحرية: فن الغوص وتحدي الأعماق
كان البحر هو الشريان الاقتصادي الأول للمنطقة، وتجسدت طبيعة الرحلات البحرية في رحلات الغوص للبحث عن اللؤلؤ والتجارة مع السواحل البعيدة. هذه الأسفار لم تكن خياراً ترفيهياً؛ كانت ملحمة من التحمل البشري على متن السفن الشراعية التقليدية (المحامل). اعتمد البحارة على النجوم في الملاحة، وتحملوا أشهر الانقطاع عن اليابسة، وغاصوا في أعماق الخليج يدوياً. هذا التحدي البحري الهائل يروي قصة إصرار لا مثيل له، وهو ما أسس لروح المغامرة التي تميز الدولة اليوم.

الرحلات البرية: سيادة الصحراء وقوافل القوة
على اليابسة، كانت طبيعة الرحلات البرية محكومة بقوانين الصحراء الصارمة، حيث كان السفر بين الساحل والواحات (مثل واحة العين) يتطلب إتقان فن البقاء. كانت القوافل تعتمد على الإبل، سفينة الصحراء، ويقودها رجال يمتلكون معرفة فلكية لا تقل عن معرفة البحارة لتحديد الاتجاهات ليلاً. كانت هذه الرحلات تتم لغرض تبادل الموارد وتأمين الاحتياجات الأساسية، وكشف كل ميل فيها عن إرث من الصبر وقدرة على التكيف، وهي القيم التي زرعت أسس المرونة في زمن الآباء المؤسسين.

الإبل والمحمل: أيقونات التنقل في الماضي
يجب التأمل في الرموز المادية لتلك الحقبة. كان “المحمل” (السفينة الشراعية) هو أيقونة السفر البحري، ويمثل الاعتماد على الطبيعة والمهارة اليدوية في البناء. أما الإبل، فكانت وسيلة التنقل الفردية والجماعية، تتطلب رعاية فائقة وتحدياً جسدياً في ركوبها لأسابيع متواصلة. مقارنة تلك الأيقونات بوسائل السفر الفاخرة المتاحة اليوم—من الطائرات الخاصة إلى اليخوت—يبرز حجم القفزة الحضارية الهائلة التي حققتها الدولة.
التباين الفاخر: السفر كجائزة
إن التأمل في كيف كانت هذه الأسفار القديمة يضفي قيمة استثنائية على صناعة السياحة الفاخرة في الحاضر. اليوم، تحولت مشقة الماضي إلى متعة الحاضر؛ فقد أصبحت الإمارات نفسها وجهة عالمية للسفر والترف، وتجسد مطاراتها وموانئها أفضل ما توصلت إليه التكنولوجيا. هذه المقارنة بين الرحلات البرية والبحرية في زمن الآباء المؤسسين وواقع اليوم، يجعل من كل رحلة فاخرة يقوم بها الرجل المعاصر بمثابة تكريم لجهود الماضي.

ختاماً: إن تذكر الرحلات الإماراتية في الماضي هو جوهر الاحتفال باليوم الوطني. إنها تذكرة بأن قوة الرفاهية والسفر العالمي اليوم متجذرة في الصلابة والعزيمة التي أظهرها الآباء المؤسسون. هذا الإرث العظيم هو ما يحول التفكير في الماضي إلى تقدير عميق لإنجازات الحاضر.



